صديق الحسيني القنوجي البخاري

90

فتح البيان في مقاصد القرآن

خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء ، وأصل « ثم » يقتضي تراخيا زمانيا ولا زمان هنا فقيل هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء . قاله القرطبي ، والاستواء في اللغة الاعتدال والانتصاب والاستقامة ، وضده الاعوجاج قاله في الكشاف والرازي ، ويطلق على الارتفاع والعلو على الشيء ، قال تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [ المؤمنون : 28 ] وقال : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [ الزخرف : 13 ] وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية . وقد قيل إن هذه الآية من المشكلات ، وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها ، وخالفهم آخرون ، وقد استدل بقوله : ثُمَّ اسْتَوى [ الأعراف : 54 وغيرها ] على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، وكذلك الآية التي في ألم [ السجدة : 1 ] السجدة وقال تعالى في النازعات : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [ النازعات : 27 ] فوصف خلقها ثم قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض ، وكذلك قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 1 ] وقد قيل إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء ، ودحوها متأخر وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم ، وهذا جمع جيد لا بد من المصير إليه ، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو والآية المذكورة هنا دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء ، وهذا يقتضي بقاء الإشكال وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع ، قاله الشوكاني . قلت : ذكر رحمه اللّه في السورتين المذكورتين أن « ثم » للتراخي الرتبي لا للتراخي الزماني ، أو أن « بعد » بمعنى مع كما في قوله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] أو أنها بمعنى قبل كقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [ الأنبياء : 105 ] أي من قبل الذكر فيزول ما ذكره رحمه اللّه تعالى من بقاء الإشكال . وقال الفراء : الاستواء في كلام العرب على وجهين أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي من اعوجاج ، وقال البيهقي الاستواء بمعنى الإقبال صحيح لأن الإقبال هو القصد ، والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات اللّه ، وقال سفيان بن عيينة أي قصد إليها وقيل علا دون تكييف ولا تحديد واختاره الطبري ، وقال أبو العالية استوى ارتفع وقال قتادة إن السماء خلقت أولا ، حكاه عنه الطبري ، والبحث في ذلك يطول ، وقد استوفاه الرازي في تفسيره ، وأجاب عنه بوجوه ثم قال : الجواب الصحيح أن قوله « ثم » ليس للترتيب ههنا ، وإنما هو على جهة تعديد النعم واللّه أعلم . فَسَوَّاهُنَّ أي عدل خلقهن فلا اعوجاج فيه ولا فطور ، وقيل معناه سوى سطوحهن بالإملاس وقيل جعلهن سواء سَبْعَ سَماواتٍ مستويات لا صدع فيها ولا